فخر الدين الرازي
135
تفسير الرازي
خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ * إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) * . اعلم أنه تعالى لما عظم أمر الإسلام والإيمان بقوله * ( ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين ) * ( آل عمران : 85 ) أكد ذلك التعظيم بأن بيّن وعيد من ترك الإسلام ، فقال : * ( كيف يهدي الله قوماً كفروا بعد إيمانهم ) * وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : في سبب النزول أقوال الأول : قال ابن عباس رضي الله عنهما : نزلت هذه الآية في عشرة رهط كانوا آمنوا ثم ارتدوا ولحقوا بمكة ثم أخذوا يتربصون به ريب المنون فأنزل الله تعالى فيهم هذه الآية ، وكان فيهم من تاب فاستثنى التائب منهم بقوله * ( إلا الذين تابوا ) * الثاني : نقل أيضاً عن ابن عباس أنه قال : نزلت في يهود قريظة والنضير ومن دان بدينهم كفروا بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد أن كانوا مؤمنين قبل مبعثه ، وكانوا يشهدون له بالنبوّة ، فلما بعث وجاءهم بالبينات والمعجزات كفروا بغياً وحسداً والثالث : نزلت في الحرث بن سويد وهو رجل من الأنصار حين ندم على ردته فأرسل إلى قومه أن اسألوا لي هل لي من توبة ؟ فأرسل إليه أخوه بالآية ، فأقبل إلى المدينة وتاب على يد الرسول صلى الله عليه وسلم وقبل الرسول صلى الله عليه وسلم توبته ، قال القفال رحمه الله : للناس في هذه الآية قولان : منهم من قال إن قوله تعالى : * ( ومن يبتغ غير الإسلام ديناً ) * وما بعده من قوله * ( كيف يهدي الله قوماً كفروا بعد إيمانهم ) * إلى قوله * ( وأولئك هم الضالون ) * نزل جميع ذلك في قصة واحدة ، ومنهم من جعل ابتداء القصة من قوله * ( إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار ) * ثم على التقديرين ففيها أيضاً قولان أحدهما : أنها في أهل الكتاب والثاني : أنها في قوم مرتدين عن الإسلام آمنوا ثم ارتدوا على ما شرحناه . المسألة الثانية : اختلف العقلاء في تفسير قوله * ( كيف يهدي الله قوماً كفروا بعد إيمانهم ) * أما المعتزلة فقالوا : إن أصولنا تشهد بأنه تعالى هدى جميع الخلق إلى الدين بمعنى التعريف ، ووضع الدلائل وفعل الألطاف ، إذ لو يعم الكل بهذه الأشياء لصار الكافر والضال معذوراً ، ثم إنه تعالى حكم بأنه لم يهد هؤلاء الكفار ، فلا بد من تفسير هذه الهداية بشيء آخر سوى نصب الدلائل ، ثم ذكروا فيه وجوهاً الأول : المراد من هذه الآية منع الألطاف التي يؤتيها المؤمنين ثواباً لهم على إيمانهم كما قال تعالى : * ( والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا ) * ( العنكبوت : 69 ) وقال تعالى : * ( ويزيد الله الذين اهتدوا هدىً ) * ( مريم : 76 ) وقال تعالى : * ( والذين اهتدوا زادهم هدىً ) * ( محمد : 17 ) وقال : * ( يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ) * ( المائدة : 16 ) فدلت هذه الآيات على أن المهتدي قد يزيده الله هدىً الثاني : أن المراد أن الله تعالى لا يهديهم إلى